زكريا بن محمد بن أحمد الأنصاري
29
فتح الباقي بشرح ألفية العراقي
المبحث الثَّانِي : أصلها بات من الضروري في بحث المختصرات التحدث عَنْ أصولها ليتسنى للباحث الإحاطة بجوانب الأمور ، وَلَمِّ شعثها وجمع متفرقها . والحق أن طريقة الاختصار عَنْ طريق النظم - لا سيَّما في القرن الثامن الذي عاش فِيهِ الحافظ العراقي - لَمْ تعد طريقة مستغربة أو أمراً مستبدعاً ، أو مقصوراً عَلَى علم الحَدِيْث ، بَلْ الحق أنه لَمْ يعد هناك فن من فنون العلوم والمعارف عَلَى اختلاف أجناسها وأنواعها إلا وَقَدْ نظمت فِيهِ العديد من المنظومات التي تشابه في فكرتها منظومة الحافظ العراقي . ولعل من أوثق طرق تحديد أصل تِلْكَ المنظومات نص المختصر عَلَى ذَلِكَ ، وممن فعل ذَلِكَ الحافظ العراقي إذ يَقُول في " التبصرة والتذكرة " ( 1 ) : 6 - لَخَّصْتُ فيهَا ابْنَ الصَّلاحِ أَجْمَعَهْ . . . وَزِدْتُهَا عِلْماً تَرَاهُ مَوْضِعَهْ وقال في شرح هَذَا البيت : ( ( وقوله : لخصت فِيْهَا ابن الصَّلاح ، أي : كِتَاب ابن الصَّلاح ، والمراد : مسائله وأقسامه دُوْنَ الكثير من أمثلته وتعاليله ونسبة أقوال لقائليها وما تكرر فِيهِ ) ) ( 2 ) . وهكذا بدا واضحاً بصورة جلية أن أصل " التبصرة والتذكرة " هُوَ كِتَاب ابن الصَّلاح " مَعْرِفَة أنواع علم الحَدِيْث " ( 3 ) ، مَعَ شيء من الزيادات العلمية التي تتصل بالمواضع الرئيسة في الكِتَاب ، لا بالأمثلة والشواهد حسب .
--> ( 1 ) البيت رقم ( 6 ) . ( 2 ) شرح التبصرة والتذكرة 1 / 106 . ( 3 ) وهذا هو اسمه الصحيح ، الذي سماه به مؤلفه ابن الصلاح ، وقد حققنا صحة هذه التسمية فيما كتبنا عنه عندما حققناه ، ولله الحمد .